الثلاثاء، 29 ديسمبر 2015

تأصيل وتفصيل مهم في الأمر بمخالفة الكفار

من اقتضاء الصراط المستقيم 466/1
«..ثم الجواب عن هذا، وعن قوله: «كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء» من وجوه:
أحدها: أن هذا كان متقدما، ثم نسخ الله ذلك، وشرع له مخالفة أهل الكتاب، وأمره بذلك، وفي متن الحديث: " أنه سدل شعره موافقة لهم، ثم فرق شعره بعد " ولهذا صار الفرق شعار المسلمين، وكان من الشروط على أهل الذمة ”أن لا يفرقوا شعورهم“ وهذا كما أن الله شرع له في أول الأمر استقبال بيت المقدس موافقة لأهل الكتاب، ثم نسخ ذلك وأمر باستقبال الكعبة، وأخبر عن اليهود وغيرهم من السفهاء أنهم سيقولون: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} وأخبر أنهم لا يرضون عنه حتى يتبع ملتهم، وأخبره أنه: إن اتبع أهواءهم من بعد ما جاءه من العلم ما له من الله من ولي ولا نصير، وأخبره أن: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} وكذلك أخبره في موضع آخر أنه جعل لكلٍ شرعة ومنهاجا فالشعار من جملة الشرعة...ومما يوضح ذلك: أن كل ما جاء من التشبه بهم، إنما كان في صدر الهجرة ثم نُسِخ؛ ذلك أن اليهود إذ ذاك كانوا لا يتميزون عن المسلمين لا فشرعَعور، ولا في لباس، لا بعلامة، ولا غيرها. ثم إنه ثبت بعد ذلك في الكتاب والسنة والإجماع الذي كمل ظهوره في زمن عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-ما شرعه الله من مخالفة الكافرين ومفارقتهم في الشعار والهدي، وسبب ذلك: أن المخالفة لهم لا تكون إلا مع ظهور الدين وعلوه كالجهاد وإلزامهم بالجزية والصغار، فلما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء لم تشرع المخالفة لهم، فلما كمل الدين وظهر وعلا شرعَ ذلك. ومثل ذلك اليومَ لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأمورا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر لما عليه في ذلك من الضرر بل قد يستحب للرجل أو يجب عليه أن يشاركهم أحيانا في هديهم الظاهر، إذا كان في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلى الدين والاطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين بذلك أو دفع ضررهم عن المسلمين ونحو ذلك من المقاصد الصالحة. فأما في دار الإسلام والهجرة التي أعز الله فيها دينه وجعل على الكافرين بها الصغار والجزية ففيها شرعت المخالفة. وإذا ظهر أن الموافقة والمخالفة لهم تختلف باختلاف الزمان والمكان ظهرت حقيقة الأحاديث في هذا.
الوجه الثاني: لو فرضنا أن ذلك لم ينسخ، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي كان له أن يوافقهم لأنه يعلم حقهم من باطلهم بما يعلمه الله إياه ونحن نتبعه، فأما نحن فلا يجوز لنا أن نأخذ شيئا من الدين عنهم لا من أقوالهم ولا من أفعالهم بإجماع المسلمين المعلوم بالاضطرار من دين الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو قال رجل: يستحب لنا موافقة أهل الكتاب الموجودين في زماننا لكان قد خرج عن دين الأمة.
الثالث: أن نقول بموجبه: كان يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم إنه أُمِر بمخالفتهم، وأمرنا نحن أن نتبع هديه وهدي أصحابه السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. والكلام إنما هو في أنّا منهيون عن التشبه بهم فيما لم يكن سلف الأمة عليه، فأما ما كان سلف الأمة عليه فلا ريب فيه؛ سواءٌ فعلوه أو تركوه؛ فإنا لا نترك ما أمر الله به لأجل أن الكفار تفعله مع أن الله لم يأمرنا بشيء يوافقونا عليه إلا ولا بد فيه من نوع مغايرة يتميز بها دين الله المحكم مما قد نسخ أو بدل.»

الخميس، 17 ديسمبر 2015

تكرار قصة موسى مع السحرة في القرآن ؟

من النبوات صفحة 1040
«وأصل خطأ الطائفتين* أنهم لم يعرفوا آيات الأنبياء وما خصّهم الله به ولم يقدروا قدر النبوة ولم يقدروا آيات الأنبياء قدرها بل جعلوا هذه الخوارق الشيطانية من جنسها فإما أن يـُكَـذِّبوا بوجودها وإما أن يـُسَوُّوا بينهما ويدَّعوا فرقا لا حقيقة له ولهذا يوجد كثير ممن يكذّب بهذه الخوارق الشيطانية أن تكون لبعض الأشخاص لما يراه من نقص دينه وعلمه فإذا عاينها بعد ذلك أو ثبتت عنده خضع لذلك الشخص الذي كان عنده إما كافرا وإما ضالا وإما مبتدعا جاهلا وذلك لأنه أنكر وجودها معتقدا أنها لا توجد إلا للصالحين فلما تيقن وجودها جعلها دليلا على الصلاح وهو غالط في الأصل بل هذه من الشياطين من جنس ما للسحرة والكهان ومن جنس ما للكفار من المشركين وأهل الكتاب فإن لمشركي الهند والترك وغيرهم ولعباد النصارى من هذه الخوارق الشيطانية أمورا كثيرة يطول وصفها أكثر وأعظم من أكثر ما يوجد منها لأهل الضلال والبدع من المسلمين وما يوجد منها للمنافقين فإن الشياطين لا تتمكن من إغواء المسلمين وإن كان فيهم جهل وظلم كما تتمكن من إغواء المشركين وأهل الكتاب ولهذا ثَـنَّـىٰ الله في القرآن قصة موسى مع السحرة وذكر ما يقوله الكفار لأنبيائهم فإنه ما جاء نبي صادق قط إلا قيل فيه إنه ساحر أو مجنون كما قال تعالى:﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون، أتواصوا به بل هم قوم طاغون﴾ وذلك أن الرسول يأتي بما يخالف عاداتهم ويفعل ما يرونه غير نافع ويترك ما يرونه نافعا وهذا فعل المجنون فإن المجنون فاسد العلم والقصد، ومن كان مبلغه من العلم إرادة الحياة الدنيا كان عنده مَن ترَكَ ذلك وطلب ما لايعلمه مجنونا، ثم النبي مع هذا يأتي بأمور خارجة عن قدرة الناس من إعلام بالغيوب وأمور خارقة لعاداتهم فيقولون هو ساحر»
___________________
*المعتزلة والأشاعرة.

الخميس، 3 ديسمبر 2015

القاذف كاذب ولو كان قد رأى الفاحشة بعينه !

من النبوات صفحــ814ــة:-

‹..والذي يدلُّ عليه القرآن أنّ كل من تكلم بلا علم فأخطأ فهو كاذب كالذين حرّموا وحلّلُوا وأوجبوا وإنْ كان الشيطان قد زيّن لهم ذلك وأوهمهم أنه حق ولهذا قال الله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ، تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ وهي تَنَزَّل على من يُظَن أنه يُصَدِّقها قال تعالى:﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ، وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ وقال تعالى:﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ..﴾ وكذلك الذي يدل عليه الشرع أن كل من أخبر بخبر ليس له أن يخبر به وهو غير مطابق فإنه يسمى كاذبا وإن كان لم يتعمد الكذب كقول النبي صلى الله عليه و سلم لما قيل له إن أبا السنابل قال: ما أنتِ بناكحة حتى تمرّ عليكِ أربعة أشهر وعشرٌ، فقال:‹كذب أبو السنابل› ، ولما قيل له إن عامر بن الأكوع حبط عمله لأنه قتل نفسه قال:‹ كذبَ من قالها إن له لأجرين إنه جاهد مجاهد› ، ولما قال سعد بن عبادة في يوم الفتح: اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة، وحكاه أبو سفيان لرسول الله صلى الله عليه و سلم قال: ‹كذب سعد ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة ويوم تكسى فيه الكعبة› ، وكذلك قال عبادة بن الصامت لما قيل له: إن أبا محمد يقول: الوتر واجب، فقال: ‹كذب أبو محمد› ، وكذلك ابن عباس لما قيل له: إن نوفا يقول: إن موسى بني اسرائيل ليس هو موسى الخضر، قال: ‹كذب نوف› ، وأيضا مَن أخبر الناس خبرا طلب أن يُصَدِّقوه فيه وقد نُهُوا عن تصديقه إلا ببيـّنة فإنه أيضا كاذب كما قال الله تعالى:﴿لَّوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ۚ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ وقال في القاذفين:﴿..فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وكذلك إنّ القاذف وإنْ كان قد رأى الفاحشة بعينه لكنه إذا أخبر بها الناس فهو يطلب منهم أن يُصَدِّقوه بمجرَّد خبره وليس لهم ذلك بل ليس لهم أن يصدّقوه حتى يأتي بأربعة شهداء، وهو لا يخبر الناس ليكذبوه بل يخبرهم ليعتقدوا ثبوت ما أخبرهم به ويعتقدوا أن المقذوف قد فعل الفاحشة وهم ليس لهم أن يقولوا ذلك إلا بأربعة شهداء فإذا لم يأت بأربعة شهداء فهو عند الله كاذب لأنه أخبر الناس بأن هذا فعل الفاحشة، وقال خبرا طلب به تصديقهم وأن يـَـظهـَر أن هذا فعلها، فحقيقة خبره أن هذا فعل فاحشة ظاهرة يرتب عليها هذا(١) بل إن كان فعل شيئا فقد فعله سرًّا لم يُعـلـِمْ به الناس، وقد عُلـِم أن الذنب إذا كُتِم لم يضرّ إلا صاحبه ولكن إذا أُعلـِنَ فلم ينكَر ضرَّ الناس وهذا لم يُعلـِنْه، وأكثر المسلمين إذا فعل أحدهم فاحشة باطنة تاب منها ومن إعلانها فلم يتشبــّه الناس بعضهم ببعض في ذلك، فلهذا نهى الله عن فعلها وعن التكلّم بها صدقا وغيرَ صدق فإنها إذا فُعلت وكُتمت خفَّ أمرُها، وإذا أُظهرت كان فيها مفاسد كثيرة، قال النبي صلى الله عليه و سلم: ‹من ابتـُلـِيَ من هذه القاذورات بشيء فليستتر بستر الله فإن من يـُبــْدِ لنا صفحته نُقـِمْ عليه كتاب الله› وقال: ‹كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يـبـيت الرجل على الذنب قد ستره الله فيصبح يقول: يا فلان فعلتُ البارحة كذا وكذا› ، فقد نهى اللهُ صاحبــَها أن يـُظْهـــِـرَها ويـُعـلـِنــَها فكيف القاذف !  بخلاف ما إذا أقرَّ بها عند وليّ أمرٍ ليقيم عليه الحدّ أو يشهدْ بها نصابٌ تامٌّ لإقامة الحد فذاك فيه منفعة وصلاح، وقد يخـبــِـر بها بعـضَ الناس سرّا لمن يعـَلّـمه كيف يتوب، ويستفتيه ويستشيره فيما يفعل ؛ فعـَلىٰ ذلك المفتي والمشير أن يكتمَ عليه ذلك ولا يشيعَ الفاحشة..›

وقال صفحة 1078 :- 
«..وقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ ليس من شرطه أن يتعمد الكذب بل من كان جاهلا يتكلم بلا علم فيكذب فإن الشياطين تنزل عليه أيضا إذْ من أخبر عن الشيء بخلاف ما هو عليه من غير اجتهاد يُعذر به فهو كذاب ولهذا يصف الله المشركين بالكذب وكثيرٌ منهم لا يتعمد ذلك وكذلك قال النبيُّ لما أفتى أبو السنابل بأن المتوفىٰ عنها الحامل لا تحل بوضع الحمل بل تعتد أبعد الأجلين، فقال صلى الله عليه وسلم: ‹كذب أبو السنابل› أي في قوله بأن المتوفىٰ عنها الحامل لا تحل بوضع الحمل بل تعتد أبعد الأجلين، وكذلك لما قال بعضهم: ابن الاكوع حبط عمله قال النبي صلى الله عليه و سلم: ‹كذب من قالها إنه لجاهد مجاهد› ونظائره كثيرة، فالأنبياء لا يقع في إخبارهم عن الله كذب لا عمدا ولا خطأ وكل من خالفهم لا بد أن يقع في خبره عن الله كذب ضرورةً فإن خبره إذا لم يكن مطابقا لخبرهم كان مخالفا له فيكون كذبا فالذي تنزل عليه الشياطين إذا ظن واعتقد أنهم جاءوا من عند الله وأخبر بذلك كان كاذبا وكذلك إذا قال عما أوحوه إليه إن الله أوحاه اليه كان كاذبا قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ۖ ﴾ولما شاع خبر المختار بن أبي عبيد وهو أول من ظهر في الإسلام بالكذب في هذا وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: ‹يكون في ثقيف كذاب ومبير› فكان الكذاب هو المختار بن أبي عبيد وكان يتشيع لعلي ولهذا يوجد الكذب في الشيعة أكثر مما يوجد في جميع الطوائف والمبير هو الحجاج بن يوسف وكان ظالما معتديا وكان يتشيع لعثمان والمختار يتشيع لعلي فذُكِر لابن عمر وابن عباس أمر المختار وقيل لأحدهما إنه يزعم أنه يوحىٰ إليه فقال: صدق ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ﴾ وقيل للآخر إنه يزعم أنه ينزل عليه فقال: صدق ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ، تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴾.»
______________________
(١)أي: يترتب على ظهورها اعتقاد الناس وقولهم في المقذوف: إنه فعلها.