الاثنين، 9 نوفمبر 2015

خصائص آيات الأنبياء وتميّزها عن ما يقع لغيرهم من خوارق !

لابد من قراءة مواضع من كتاب النبوات صفحة 138 و 541 و 603 و 775  بتحقيق الطويان للتأصيل والتوجيه التام لما قد يرد في هذا الباب، واقرأ فصولا متتابعة تبدأ من صفحــ826ــة وهي أهمّ فصول الكتاب حتى يذكر رحمه الله في صفحــ917ــة الأصل الذي يُبنَىٰ عليه كلُّ كلام في النبوّات !
واقرأ من صفحة 1049 إلى صفحة 1063 كلاما نفيسا جدا في مباينة أفعال الساحر لآيات النبيّ،وفيه فوائد ونوادر من كلام شيخ الإسلام رحمه الله وجزاه عنا خير الجزاء.
-------------------
قال في النبوات صفحــ521ــة:-
"..والكذّاب المدّعي للنبوة لا يأمر بجميع ما أمرت به الأنبياء، ولا ينهى عن كلّ ما نهوا عنه؛ فإنّ ذلك يُفسد مقصوده، وهو كاذبٌ، فاجرٌ، شيطانٌ من أعظم شياطين الإنس، والذي يُعينه على ذلك من أعظم شياطين الجنّ.
وهؤلاء لا يُتصوّر أن يأمروا بما أمرت به الأنبياء، وينهوا عمّا نهوا عنه؛ لأنّ ذلك يناقض مقصودهم، بل وإن أمروا بالبعض في ابتداء الأمر مَنْ يخدعونه، ويربطونه، فلا بُدَّ أن يناقضوا فيأمروا بما نهت عنه الأنبياء، ولا يُوجبوا ما أمرت به الأنبياء؛ كما جرى مثل ذلك لمن ادعى النبوّة من الكذّابين، ولمن أظهر موافقة الأنبياء، وهو في الباطن من المنافقين؛ كالملاحدة الباطنية الذين يُظهرون الإسلام والتشيّع ابتداءً، ثمّ إنّهم يستحلّون الشرك، والفواحش، والظلم، ويُسقطون الصلاة، والصيام، وغير ذلك ممّا جاءت به الشريعة. فمن أظهر خلاف ما أبطن، وكان مطاعاً في النّاس، فلا بُدّ أن يَظهَر من باطنه ما يُناقض ما أظهره. فكيف بمن ادّعى النبوّة وأظهر أنّه صادق على الله وهو في الباطن كاذب على الله، بل من أظهر خلاف ما أبطن من آحاد الناس، يظهر حاله لمن خبره في مدّة؛ فإنّ الجسد مطيعٌ للقلب، والقلب هو الملك المدبّر له؛ كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "ألا إنّ في الجسد مضغة إذا صلحت، صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب ".
فإذا كان القلب كاذباً على الله، فاجراً، كان ذلك أعظم الفساد، فلا بد أن يظهر الفساد على الجوارح، وذلك الفساد يُناقض حال الصادق على الله. وقد بُسط هذا في غير هذا الموضع.
وذلك أنّ آيات الأنبياء الدالّة على صدقهم كثيرةٌ متنوعةٌ، وأنّ النبيّ الصادق خير الناس، والكاذب على الله شرّ النّاس، وبينهما من الفروق ما لا يُحصيه إلا الله، فكيف يشتبه هذا بهذا. بل لهذا من دلائل صدقه، ولهذا من دلائل كذبه ما لا يمكن إحصاؤه. وكلّ من خصّ دليل الصدق بشيء معين فقد غلط. بل آيات الأنبياء هي من آيات الله الدالّة على أمره ونهيه، ووعده ووعيده.
وآيات الله كثيرة متنوعة؛ كآيات وجوده، ووحدانيته، وعلمه، وقدرته، وحكمته، ورحمته سبحانه وتعالى. والقرآن مملوءٌ من تفصيل آياته، وتصريفها، وضرب الأمثال في ذلك، وهو يسميها آيات وبراهين. وقد ذكرنا الفرق بين الآيات، والمقاييس الكلية التي لا تدلّ إلا على أمرٍ كليّ في غير هذا الموضع.
الوجه الثاني عشر: إنّ ما يأتي به الساحر، والكاهن، وأهل الطبائع، والصناعات، والحيل، وكل من ليس من أتباع الأنبياء، لا يكون إلا من مقدور الإنس والجن؛ فما يقدر عليه الإنس من ذلك هو وأنواعه فالحيل فيه كثير. وما يقدر عليه الجن هو من جنس مقدور الإنس، وإنّما يختلفون في الطريق؛ فإن الساحر قد يقدر على أن يقتل إنساناً بالسّحر، أو يمرضه، أو يُفسد عقله، أو حسّه، وحركته، وكلامه؛ بحيث لا يُجامع، أو لا يمشي، أو لا يتكلم ونحو ذلك. وهذا كلّه ممّا يقدر الإنس على مثله، لكن بطرق أخرى. والجنّ يطيرون في الهواء، وعلى الماء، ويحملون الأجسام الثقيلة؛ كما قال العفريت لسليمان: {أَنَا آتِيْكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ}.
وهذا الجنس يكون لمن هو دون الإنس والجنّ من الحيوان؛ كالطيور، والحيتان. والإنس يقدر على جنسه، ولهذا لم يكن هذا الجنس آية لنبيّ لوجوده لغير الأنبياء. فكثيرٌ من الناس تحمله الجنّ، بل شياطين الجنّ، وتطير به في الهواء، وتذهب به إلى مكان بعيد؛ كما كان العفريت يحمل عرش بلقيس من اليمن، إلى مكان بعيد.
ونحن نعرف من هؤلاء عدداً كثيراً، وليسوا صالحين، بل فيهم كفّارٌ، ومنافقون، وفُسّاق، وجُهّال، لا يعرفون الشريعة، والشياطين تحملهم، وتطير بهم من مكان إلى مكان، وتحملهم إلى عرفات؛ فيشهدون عرفات من غير إحرام، ولا تلبية، ولا طواف بالبيت، وهذا الفعل حرام. والجُهّال يحسبون أنّه من كرامات الصالحين، فتفعله الجن بمن يحب ذلك مكراً به، وخديعةً، أو خدمةً لمن يستخدمهم من هؤلاء الجهّال بالشريعة وإن كان له زهد وعبادة. وكذلك الجنّ كثيراً ما يأتون الناس بما يأخذونه من أموال الناس؛ من طعام، وشراب، ونفقة، وماء، وغير ذلك؛ وهو من جنس ما يسرقه الإنسي ويأتي به إلى الإنسي، لكنّ الجنّ تأتي بالطعام والشراب في مكان العدم.
ولهذا لم يكن مثل هذا آية لنبيّ، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يضع يده في الماء، فينبع الماء من بين أصابعه. وهذا لا يقدر عليه لا إنس، ولا جنّ. وكذلك الطعام القليل يصير كثيراً، وهذا لا يقدر عليه لا الجنّ، ولا الإنس. ولم يأت النبيّ صلى الله عليه وسلم قطّ بطعامٍ من الغيب، ولا شرابٍ، وإنما كان هذا قد يحصل لبعض أصحابه؛ كما أُتِي خبيب بن عدي وهو أسير بمكة بقطف من عنب. وهذا الجنس ليس من خصائص الأنبياء. ومريم عليها السلام لم تكن نبيّة، وكانت تؤتى بطعام. فإنّ هذا قد يكون من حلالٍ، فيكون كرامة؛ يأتي به إمّا مَلَك، وإمّا جنّي مسلم. وقد يكون حراماً. فليس كلّ ما كان من آيات الأنبياء يكون كرامةً للصالحين.
وهؤلاء* يُسوّون بين هذا وهذا، ويقولون: الفرق هو دعوى النبوة والتحدي بالمثل. وهذا غلط فإن آيات الأنبياء عليهم السلام التي دلّت على نبوّتهم، هي أعلى ممّا يشتركون فيه هم وأتباعهم؛ مثل الإتيان بالقرآن؛ ومثل الإخبار بأحوال الأنبياء المتقدمين، وأممهم، والإخبار بما يكون يوم القيامة، وأشراط الساعة؛ ومثل إخراج الناقة من الأرض؛ ومثل قلب العصا حية، وشقّ البحر؛ ومثل أن يخلق من الطين  كهيئة الطير، فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله. وتسخير الجنّ لسليمان لم يكن مثله لغيره.
لكن من الجن المؤمنين من يعاون المؤمنين، ومن الجن الفساق، والكفار من يعاون الفساق؛ كما يُعاون الإنس بعضهم بعضاً. فأمّا طاعةٌ مثل طاعة سليمان، فهذا لم يكن لغير سليمان عليه السلام.
ومحمد صلى الله عليه وسلم أُعطي أفضل ممّا أُعطي سليمان عليه السلام؛ فإنّه أُرسل إلى الجنّ، وأُمروا أن يؤمنوا به، ويطيعوه؛ فهو يدعوهم إلى عبادة الله، وطاعته، لا يأمرهم بخدمته، وقضاء حوائجه؛ كما كان سليمان يأمرهم، ولا يقهرهم باليد؛ كما كان سليمان يقهرهم، بل يفعل فيهم كما يفعل في الإنس، فيجاهدهم الجن المؤمنون، ويقيمون الحدود على منافقيهم، فيتصرف فيهم تصرّف العبد الرسول، لا تصرّف النبي الملِك؛ كما كان سليمان يتصرف فيهم.
والصالحون من أمته، المتّبعون له يتّبعونه فيما كان يأمر به الإنس والجنّ. وآخرون دون هؤلاء قد يستخدمون بعض الجنّ في مباحات؛ كما قد يستخدمون بعض الإنس. وقد يكون ذلك مما ينقص دينهم، لا سيما إن كان بسببٍ غير مباح. وآخرون شرّ من هؤلاء يستخدمون الجنّ في أمور محرمة؛ من الظلم، والفواحش، فيقتلون نفوساً بغير حق، ويُعينونهم على ما يطلبونه من الفاحشة، كما يُحضرون لهم امرأة أو صبياً، أو يجذبونه إليه. وآخرون يستخدمونهم في الكفر. فهذه الأمور ليست من كرامات الصالحين؛ فإنّ كرامات الصالحين هو ما كان سببه الإيمان، والتقوى، لا ما كان سببه الكفر، والفسوق، والعصيان.
وأيضاً فالصالحون سابقوهم، لا يستخدمونهم إلا في طاعة الله ورسوله. ومن هو دون هؤلاء لا يستخدمهم إلا في مباح. وأمّا استخدامهم في المحرمات فهو حرام. وإن كانوا إنّما خدموه لطاعته لله؛ كما لو خدم الإنس رجلاً صالحاً لطاعته لله، ثم استخدمهم فيما لا يجوز فهذا بمنزلة من أنعم عليه بطاعته نعمة فصرفها إلى معصية الله، فهو آثمٌ بذلك.
وكثيرٌ من هؤلاء يسلب تلك النعمة، ثم قد يسلب الطاعة؛ فيصير فاسقاً. ومنهم من يرتدّ عن دين الإسلام.
فطاعة الجنّ للإنسان ليست أعظم من طاعة الإنس، بل الإنس أجلّ، وأعظم، وأفضل، وطاعتهم أنفع.
وإذا كان المطاع من الإنس قد يطاع في طاعة الله، فيكون محموداً مثاباً، وقد يُطاع في معصية الله، فيكون مذموماً آثماً؛ فكذلك المطاع من الجنّ الذي يُطيعه الناس.
والمطاع من الإنس قد يكون مطاعاً لصلاحه، ودينه. وقد يكون مطاعاً لملكه، وقوته. وقد يكون مطاعاً لنفعه لمن يخدمه بالمعاوضة. فكذلك المطاع من الجن؛ قد يُطاع لصلاحه ودينه، وقد يُطاع لقوّة وملكٍ محمودٍ أو مذمومٍ. ثمّ المَلِك إذا سار بالعدل حُمِد، وإن سار بالظلم، فعاقبته مذمومة، وقد يهلكه أعوانه؛ فكذلك المطاع من الجن، إذا ظلمهم، أو ظلم الإنس بهم، أو بغيرهم، كانت عاقبته مذمومة وقد تقتله الجنّ، أو تُسلّط عليه من الإنس من يقتله. وكلّ هذا واقعٌ نعرف من ذلك من الوقائع ما يطول وصفه، كما نعرف من ذلك من وقائع الإنس ما يطول وصفه. وليس آيات الأنبياء في شيءٍ من هذا الجنس."
وقال في صفحــ801ــة:-
‹..وأما كرامات الاولياء فهي أيضا من آيات الانبياء فإنها إنما تكون لمن يشهد لهم بالرسالة فهي دليل على صدق الشاهد لهم بالنبوة، وأيضا فإن كرامات الاولياء معتادة من الصالحين ومعجزات الانبياء فوق ذلك فانشقاق القمر والإتيان بالقرآن وانقلاب العصا حية وخروج الدابة من صخرة لم يكن مثله للاولياء وكذلك خلق الطير من الطين، ولكن آياتهم صغار وكبار كما قال الله تعالى: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾ٰ فلله تعالى آية كبيرة وصغيرة، وقال عن نبيه محمد: ﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ﴾ فالآيات الكبرى مختصة بهم، وأما الآيات الصغرى فقد تكون للصالحين مثل تكثير الطعام فهذا قد وجد لغير واحد من الصالحين لكن لم يوجد كما وجد للنبي صلى الله عليه و سلم أنه أطعم الجيش من شيء يسير، فقد يوجد لغيرهم من جنس ما وجد لهم لكن لا يماثَلون في قدره فهم مختصون إما بجنس الآيات فلا يكون لغيرهم مثلها كالإتيان بالقرآن وانشقاق القمر وقلب العصا حية وانفلاق البحر وأن يخلق من الطين كهيئة الطير وإما بقدرها وكيفيتها كنار الخليل فإن أبا مسلم الخولاني وغيره صارت النار عليهم بردا وسلاما لكن لم تكن مثل نار إبراهيم في عظمتها كما وصفوها، فهو مشارِك للخليل في جنس الآية كما هو مشارِك [له] في جنس الإيمان محبة الله وتوحيده، ومعلوم أن الذي امتاز به الخليل من هذا لا يماثله فيه أبو مسلم وأمثاله، وكذلك الطيران في الهواء فإن الجن لا تزال تحمل ناسا وتطير بهم من مكان إلى مكان كالعفريت الذي قال لسليمان: (أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك) لكن قول الذي عنده علم من الكتاب: (أنا آتيك به قبل أن يرتد اليك طرفك) لا يقدر عليه العفريت، ومسرى النبي صلى الله عليه و سلم إلى بيت المقدس ليريـَه الله من آياته الكبرى أمرٌ اختص به بخلاف من يُحمَل من مكان إلى مكان لا ليريـَه الله من آياته الكبرى ويعرجَ به إلى السماء فهؤلاء كثيرون..›
وقال صفحــ820ــة:-
‹.. وكذلك المؤمنون أتباع الانبياء إذا أتوا بآية كانت دليلا على نبوة النبي الذي اتبعوه فلا يمكن من لا يصدق النبي أن يعارضهم ومتى عارضهم لم تكن من آيات الانبياء ولهذا كان أبو مسلم لما قال له الأسود العنسي أتشهد أني رسول الله، قال ما أسمع، قال أتشهد أن محمدا رسول الله، قال نعم، فألقاه في النار فصارت عليه بردا وسلاما، فكرامات الصالحين هي مستلزمة لصدقهم في قولهم إن محمدا رسول الله ولثبوت نبوته فهي من جملة آيات الأنبياء وآياتهم وما خصهم الله به لا يكون لغير الأنبياء، وإذا قال القائل: (معجزات الانبياء وآياتهم وما خصهم الله به) فهذا كلام مجمل فإنه لا ريب أن الله خص الأنبياء بخصائص لا توجد لغيرهم ولا ريب أن من آياتهم ما لا يقدر أن يأتي به غير الانبياء بل النبي الواحد له آيات لم يأت بها غيره من الأنبياء كالعصا واليد لموسى وفرق البحر فإن هذا لم يكن لغير موسى وكانشقاق القمر والقرآن وتفجير الماء من بين الأصابع وغير ذلك من الآيات التي لم تكن لغير محمد من الأنبياء وكالناقة التي لصالح فإن تلك الآية لم يكن مثلها لغيره وهو خروج ناقة من الارض بخلاف إحياء الموتى فإنه اشترك فيه كثير من الأنبياء بل ومن الصالحين، وملك سليمان لم يكن لغيره كما قال: {رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي} فطاعة الجن والطير وتسخير الريح تحمله من مكان إلى مكان له ولمن معه لم يكن مثل هذه الآية لغير سليمان، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: ‹ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة› وهو من حين أتى بالقرآن وهو بمكة يقرأ على الناس: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾ فقد ظهر أن من آيات الأنبياء ما يختص به النبي ومنها ما يأتي به عدد من الأنبياء ومنها ما يشترك فيه الأنبياء كلهم ويختصون به وهو الإخبار عن الله بغيبه الذي لا يعلمه إلا الله، قال تعالى: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا، إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا﴾
 لكن ما يظهر على المؤمنين بهم من الآيات بسبب الإيمان بهم فيه قولان:-
قال طائفة: ليس ذلك من آياتهم، وهذا قول مَن يقول: مِن شرط المعجزة أن تقارن دعوى النبوة لا تتقدم عليها ولا تتأخر عنها كما قاله هؤلاء* الذين يجعلون خاصة المعجزة التحدي بالمثل وعدم المعارضة ولا تكون إلا مع الدعوى كما تقدم وهو قول قد عرف فساده من وجوه.
والقول الثاني -وهو القول الصحيح-: أن آيات الأولياء هي من جملة آيات الأنبياء فإنها مستلزمة لنبوتهم ولصدق الخبر بنبوتهم فإنه لولا ذلك لما كان هؤلاء أولياء ولم تكن لهم كرامات، لكن يحتاج أن يفرق بين كرامات الأولياء وبين خوارق السحرة والكهان وما يكون للكفار والفساق وأهل الضلال والغي بإعانة الشياطين لهم كما يفرق بين ذلك وبين آيات الأنبياء، والفروق بين ذلك كثيرة كما قد بسط في غير هذا الموضع.
فصل
 فقد تبين أن من آيات الأنبياء ما يظهر مثله على أتباعهم ويكون ما يظهر على أتباعهم من آياتهم فإن ذلك مختص بمن يشهد بنبوتهم فهو مستلزم له لا تكون تلك الآيات إلا لمن أخبر بنبوتهم، وإذا لم يخبر بنبوتهم لم تكن له تلك الآيات، وهذا حَدُّ الدليل وهو أن يكون مستلزما للمدلول عليه ؛ فإذا وُجِدَ الدليل وُجد المدلول عليه، وإذا عُدِمَ المدلول عليه عُدم الدليل، ولهذا من السلف من يأتي بالآيات دلالة على صحة الإسلام وصدق الرسول كما ذُكِرَ أن خالد بن الوليد شرب السمّ لما طــُلــِبَ منه آية ولم يضرّه.›
وقال صفحـ1021ـة:-
«... إخبار الأنبياء عن الغيب ما لا سبيل لمخلوق إلى علمه إلا منه كما قال تعالى:﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا، إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا﴾ فقوله: ‹على غيبه› هو غيبه الذي اختص به وأما ما يعلمه بعض المخلوقين فهو غيب عمن لم يعلمه وهو شهادة لمن علمه فهذا أيضا تخبر منه الأنبياء بما لا يمكن الشياطين أن تخبر به كما في إخبار المسيح بقوله:(وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم) فإن الجن قد يخبرون بما يأكله بعض الناس وبما يدخرونه لكن الشياطين إنما تتسلط على من لا يذكر اسم الله كالذي لا يذكر اسم الله إذا دخل فيدخلون معه وإن لم يذكر اسم الله إذا أكل فإنهم يأكلون معه وكذلك إذا ادخر شيئا ولم يذكر اسم الله عليه عرفوا به وقد يسرقون بعضه كما جرى هذا لكثير من الناس وأما من يذكر اسم الله على طعامه وعلى ما يحتازه فلا سلطان لهم عليه لا يعرفون ذلك ولا يستطيعون أخذه والمسيح عليه السلام كان يخبر المؤمنين بما يأكلون وما يدخرون مما ذُكر اسم الله عليه والشياطين لا تعلم به ولهذا من يكون إخباره عن شياطين تخبره لا يكاشف أهل الإيمان والتوحيد وأهل القلوب المنورة بنور الله بل يهرب منهم ويعترف أنه لا يكاشف هؤلاء وأمثالهم وتعترف الجن والإنس الذين خوارقهم بمعاونة الجن لهم أنهم لا يمكنهم أن يظهروا هذه الخوارق بحضرة أهل الإيمان والقرآن ويقولون أحوالنا لا تظهر قدام الشرع والكتاب والسنة وإنما تظهر عند الكفار والفجار وهذا لأن أولئك أولياء الشياطين ولهم شياطين يعاونون شياطين المخدومين ويتفقون على ما يفعلونه من الخوارق الشيطانية كدخول النار مع كونها لم تَصِرْ عليهم بردا وسلاما فإن الخليل لما أُلقِيَ في النار صارت عليه بردا وسلاما وكذلك أبو مسلم الخولاني لما قال له الأسود العنسي المتنبي: أتشهد أني رسول الله، قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمدا رسول الله، قال: نعم، فأمر بنار فأوقدت له وألقي فيها فجاءوا إليه فوجدوه يصلي فيها وقد صارت عليه بردا وسلاما فقدم المدينة بعد موت النبي صلى الله عليه و سلم وأخذه عمر فأجلسه بينه وبين أبي بكر وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد من فُعِل به كما فعل بإبراهيم، وأما إخوان الشياطين فإذا دخلت فيهم الشياطين فقد يدخلون النار ولا تحرقهم كما يُضرَب أحدهم ألف سوط ولا يحس بذلك فإن الشياطين تتلقّىٰ ذلك وهذا أمر كثير معروف قد رأينا من ذلك ما يطول وصفه... وخوارق الجن كالإخبار ببعض الأمور الغائبة وكالتصرفات الموافقة لأغراض بعض الإنس كثيرة معروفة في جميع الأمم فقد كانت في العرب كثيرة وكذلك في الهند وفي الترك والفرس والبربر وسائر الأمم فهي أمور معتادة للجن والإنس وآيات الأنبياء كما تقدم خارجة عن مقدور الإنس والجن فإنهم مبعوثون إلى الإنس والجن فيمتنع أن تكون آياتهم أمورا معروفة فيمن بُعِثوا إليه إذ يقال: هذه موجودة كثيرا للإنس فلا يختص بها الأنبياء بل هذه الخوارق هي آية وعلامة على فجور صاحبها وكذبه فهي ضد آيات الأنبياء التي تستلزم صدق صاحبها وعدله ولهذا يكون كثير من الذين تخدمهم الشياطين من أهل الشياطين وهذا معروف لكثير ممن تخدمه الشياطين بل من طوائف المخدومين من يكونون كلهم من هذا الباب كالبوى الذي للترك وأكثر المؤلهين من هذا الباب وهم يصعدون بهم في الهواء ويدخلون المدن والحصون بالليل والأبواب مغلقة ويدخلون على كثير من رؤساء الناس ويظنون أن هؤلاء صالحون قد طاروا في الهواء ولا يعرف أن الجن طارت بهم، وهذه الأحوال الشيطانية تبطل أو تضعف عند ذكر الله وتوحيده وإذا قرئت قوارع القرآن لا سيما آية الكرسي فإنها تبطل عامة هذه الخوارق الشيطانية وأما آيات الأنبياء والأولياء فتقوى بذكر الله وتوحيده، والجن المؤمنون قد يعينون المؤمنين بشيء من الخوارق كما يعين الإنس المؤمنون للمؤمنين بما يمكنهم من الإعانة، وما لا يكون إلا مع الإقرار بنبوة الأنبياء فهو من آياتهم فوجوده يؤيد آياتهم لا يناقضها، مع أن آيات الأنبياء التي يدعون أعلى من هذا وأعلى من كرامات الأولياء فإن تلك هي الآيات الكبرى»
وقال صفحة 1084 :
«..وأما كرامات الصالحين فهي من آيات الأنبياء كما تقدم ولكن ليست من آياتهم الكبرى ولا يتوقف إثبات النبوة عليها وليست خارقة لعادة الصالحين بل هي معتادة في الصالحين من أهل الملل في أهل الكتاب والمسلمين، وآياتُ الأنبياء التي يختصون بها خارقة لعادة الصالحين.»
___________________________
*يشير إلى الأشاعرة.






الخميس، 5 نوفمبر 2015

الجمع بين تخفيف الصلاة وإتمامها

في اقتضاء الصراط المستقيم 298/1 ومابعدها:-
”...وفي الصحيحين أيضا عنه قال: " ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ". زاد البخاري: " وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف، مخافة أن تفتتن أمه". وما ذكره أنس بن مالك من التخفيف: هو بالنسبة إلى ما كان يفعله بعض الأمراء وغيرهم في قيام الصلاة، فإن منهم من كان يطيل القيام زيادة على ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله في غالب الأوقات، ويخفف الركوع والسجود والاعتدال فيهما عما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله في غالب الأوقات، ولعل أكثر الأئمة، أو كثيرا منهم، كانوا قد صاروا يصلون كذلك، ومنهم من كان يقرأ في الأخيرتين مع الفاتحة، سورة، وهذا كله قد صار مذاهب لبعض الفقهاء، وكان الخوارج أيضا قد تعمقوا وتنطعوا كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم» ولهذا لما صلى علي رضي الله عنه بالبصرة قال عمران: " لقد أذكرني هذا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم " .
وكانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم معتدلة: كان يخفف القيام والقعود، ويطيل الركوع والسجود.
وقد جاء هذا مفسرا ...عن زيد بن أسلم قال: " دخلنا على أنس بن مالك، فقال: صليتم؟ قلنا: نعم. قال: يا جارية، هلمي لي وضوءا، ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من إمامكم هذا - قال زيد - وكان عمر بن عبد العزيز يتم الركوع والسجود، ويخفف القيام والقعود.وهذا حديث صحيح. وروى أبو داود والنسائي...عن وهب بن مانوس، سمعت سعيد بن جبير يقول: " سمعت أنس بن مالك يقول: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم، من هذا الفتى - يعني عمر بن عبد العزيز - قال: فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات " وروى مسلم في صحيحه، من حديث حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت عن أنس قال: " ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام، كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم متقاربة، وكانت صلاة أبي بكر رضي الله عنه متقاربة، فلما كان عمر رضي الله عنه، مد في صلاة الفجر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا قال: سمع الله لمن حمده، قام حتى نقول: قد أوهم، ثم يسجد ويقعد بين السجدتين، حتى نقول: قد أوهم" ورواه أبو داود، من حديث حماد بن سلمة، أنبأنا ثابت وحميد، عن أنس بن مالك، قال: " ما صليت خلف رجل أوجز صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: " سمع الله لمن حمده" قام حتى نقول قد أوهم، ثم يكبر ثم يسجد، وكان يقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم " .
فجمع أنس رضي الله عنه في هذا الحديث الصحيح، بين الإخبار بإيجاز النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الصلاة وإتمامها، وبيّن أن من إتمامها الذي أخبر به: إطالة الاعتدالين، وأخبر في الحديث المتقدم: أنه ما رأى أوجز من صلاته، ولا أتم.
فيشبه - والله أعلم - أن يكون الإيجاز عاد إلى القيام، والإتمام إلى الركوع والسجود؛ لأن القيام، لا يكاد يُفعل إلا تاما، فلا يحتاج إلى الوصف بالإتمام، بخلاف الركوع والسجود والاعتدالين.
وأيضا، فإنه بإيجاز القيام، وإطالة الركوع والسجود تصير الصلاة تامة، لاعتدالها وتقاربها،فيصدق قوله: " ما رأيت أوجز ولا أتم ".
فأما إن أعيد الإيجاز إلى نفس ما أتم والإتمام إلى نفس ما أوجز ؛ فإنه يصير في الكلام تناقضا، لأن من طوّل القيام على قيامه لم يكن دونه في إتمام القيام، إلا أن يقال: الزيادة في الصورة تصير نقصا في المعنى، وهذا خلاف ظاهر اللفظ، فإن الأصل: أن يكون معنى الإيجاز والتخفيف غير معنى الإتمام والإكمال؛ ولأن زيد بن أسلم قال: " كان عمر يخفف القيام والقعود، ويتم الركوع والسجود " فعلم أن لفظ الإتمام عندهم، هو إتمام الفعل الظاهر.
وأحاديث أنس كلها تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل الركوع والسجود والاعتدالين، زيادة على ما يفعله أكثر الأئمة. وسائر روايات الصحيح تدل على ذلك. ففي الصحيحين: عن حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: " إني لا آلو أن أصلي بكم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا ".
قال ثابت: " فكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه: كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما، حتى يقول القائل: قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجدة مكث، حتى يقول القائل: قد نسي " .
وفي رواية - في الصحيح -: " وإذا رفع رأسه بين السجدتين ".
وفي رواية للبخاري، من حديث شعبة، عن ثابت: " كان أنس ينعت لنا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يصلي، وإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول: قد نسي"  فهذا يبين لك أن أنسا أراد بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إطالة الركوع والسجود، والرفع فيهما، على ما كان الناس يفعلونه، وتقصير القيام عما كان الناس يفعلونه.
وروى مسلم في صحيحه، من حديث جعفر بن سليمان عن ثابت، عن أنس قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع بكاء الصبي مع أمه، وهو في الصلاة، فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة " .
فبين أن التخفيف الذي كان يفعله هو تخفيف القراءة، وإن كان ذلك يقتضي ركوعا وسجودا يناسب القراءة، ولهذا قال: " كانت صلاته متقاربة "، أي يقرب بعضها من بعض.
وصدق أنس فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بنحو الستين إلى المائة يقرأ في الركعتين بطوال المفصل بـ: الم. تنزيل، وهل أتى، وبالصافات، وبقاف؛ وربما قرأ أحيانا بما هو أطول من ذلك، وأحيانا بما هو أخف .
فأما عمر رضي الله عنه، فكان يقرأ في الفجر بيونس، وهود، ويوسف، ولعله علم أن الناس خلفه يؤثرون ذلك.
وكان معاذ رضي الله عنه: قد صلى خلفه العشاء الآخرة ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف بقباء، فقرأ بسورة البقرة فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. وقال: «أفتان أنت يا معاذ، إذا أممت الناس فخفف، فإن من ورائك الكبير والضعيف وذا الحاجة. هلا قرأت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها ونحوها من السور؟» .
فالتخفيف الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم معاذا، وغيره من الأئمة، هو ما كان يفعله - بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم، فإنه كما قال أنس: " كان أخف الناس صلاة في تمام ".
وقد قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» .
ثم إن عرَض حالٌ عرف منها إيثار المأمومين للزيادة على ذلك فحسن، فإنه صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب: بطولى الطوليين وقرأ فيها بالطور.
وإن عرض ما يقتضي التخفيف عن ذلك فعل، كما قال في بكاء الصبي ونحوه.
فقد تبين أن حديث أنس تضمن مخالفة من خفف الركوع والسجود تخفيفا كثيرا، ومن طول القيام تطويلا كثيرا. وهذا الذي وصفه أنس ووصفه سائر الصحابة.
فروى مسلم في صحيحه، وأبو داود في سننه عن هلال بن أبي حميد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال: " رمقت الصلاة مع محمد صلى الله عليه وسلم فوجدت قيامه، فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فجلسته ما بين التسليم والانصراف: قريبا من السواء " وروى مسلم أيضا في صحيحه، عن شعبة عن الحكم قال: " غلب على الكوفة رجل - قد سماه - زمن ابن الأشعث قال: فأمر أبا عبيدة بن عبد الله أن يصلي بالناس، فكان يصلي، فإذا رفع رأسه من الركوع قام قدر ما أقول: اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ".
قال الحكم: " فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن أبي ليلى، فقال: " سمعت البراء بن عازب يقول: كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وركوعه، وإذا رفع رأسه من الركوع وسجوده، وما بين السجدتين، قريبا من السواء ". قال شعبة: " فذكرته لعمرو بن مرة . فقال: قد رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى، فلم تكن صلاته هكذا .
وروى البخاري هذا الحديث - ما خلا القيام والقعود - قريبا من السواء. وذلك لأنه لا شك أن القيام - قيام القراءة - وقعود التشهد يزيد على بقية الأركان، لكن لما كان صلى الله عليه وسلم يوجز القيام، ويتم بقية الأركان، صارت قريبا من السواء.
فكل واحدة من الروايتين تصدق الأخرى، وإنما البراء: تارة قرب ولم يحدد، وتارة استثنى وحدد، وإنما جاز أن يقال في القيام مع بقية الأركان: قريبا، بالنسبة إلى الأمراء الذين يطيلون القيام، ويخففون الركوع والسجود، حتى يعظم التفاوت.
... ثم هذا القيام الذي وصفه أنس وغيره بالخفة، والتخفيف الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم قد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بفعله وأمره وبلغ ذلك أصحابه فإنه لما صلى على المنبر قال: «إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي» وقال لمالك بن الحويرث وصاحبه «صلوا كما رأيتموني أصلي» .
وذلك: أنه ما من فعل في الغالب إلا وقد يسمى خفيفا بالنسبة إلى ما هو أطول منه، ويسمى طويلا بالنسبة إلى ما هو أخف منه، فلا حد له في اللغة، وليس الفعل من العادات: كالإحراز، والقبض، والاصطياد، وإحياء الموات، حتى يرجع في حده إلى عرف اللفظ، بل هو من العبادات، والعبادات يرجع في صفاتها ومقاديرها إلى الشارع، كما يرجع في أصلها إلى الشارع.
ولأنه لو جاز الرجوع فيه إلى عرف الناس في الفعل، أو في مسمى التخفيف، لاختلفت الصلاة الشرعية الراتبة، التي يؤمر بها في غالب الأوقات، عند عدم المعارضات المقتضية للطول أو للقصر، اختلافا متباينا  لا ضبط له، ولكان لكل أهل عصر ومصر، ولكان لكل أهل حي وسكة، بل لأهل كل مسجد عرف في معنى اللفظ، وفي عادة الفعل، مخالفا لعرف الآخرين، وهذا مخالف لأمر الله ورسوله حيث قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ولم يقل: كما يسميه أهل أرضكم خفيفا، أو كما يعتادونه، وما أعلم أحدا من العلماء يقول ذلك؛ فإنه يفضي إلى تغيير الشريعة، وموت السنن، إما بزيادة وإما بنقص، وعلى هذا دلت سائر روايات الصحابة.
فروى مسلم في صحيحه عن زهير عن سماك بن حرب قال: " سألت جابر بن سمرة عن صلاة النبي، فقال: كان يخفف الصلاة، ولا يصلي صلاة هؤلاء "، قال: " وأنبأني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بقاف والقرآن المجيد، ونحوها " .
وروى أيضا عن شعبة، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى، وفي العصر بنحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك " .
وهذا يبين ما رواه مسلم أيضا، عن زائدة حدثنا سماك، عن جابر بن سمرة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بقاف والقرآن المجيد، وكانت صلاته بعد تخفيفا"  أنه أراد - والله أعلم - بقوله: " وكانت صلاته بعد "، أي بعد الفجر، أي أنه يخفف الصلوات التي بعد الفجر، عن الفجر. فإنه في الرواية الأولى جمع بين وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتخفيف، وأنه كان يقرأ في الفجر بقاف.
...وقوله: " ولا يصلي صلاة هؤلاء " إما أن يريد به: من كان يطيل الصلاة على هذا أو من كان ينقصها عن ذلك، أي أنه كان صلى الله عليه وسلم يخففها، ومع ذلك: فلا يحذفها حذف هؤلاء الذين يحذفون الركوع والسجود، والاعتدالين، كما دل عليه حديث أنس والبراء، أو كان أولئك الأمراء ينقصون القراءة، أو القراءة وبقية الأركان، عما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله..."

الأربعاء، 4 نوفمبر 2015

كيف يشدّد الله على من تشدّد في الدين بعد انقطاع الوحي واستقرار الشريعة؟!

  اقتضاء الصراط المستقيم 322/1

" ...من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تشددوا على أنفسكم، فيشدد الله عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم» .
ففيه نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التشدد في الدين بالزيادة على المشروع.
والتشديد: تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب، ولا مستحب: بمنزلة الواجب والمستحب في العبادات وتارة باتخاذ ما ليس بمحرم، ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه، في الطيبات. وعلل ذلك بأن الذين شددوا على أنفسهم من النصارى، شدد الله عليهم لذلك، حتى آل الأمر إلى ما هم عليه من الرهبانية المبتدعة.
وفي هذا تنبيه على كراهة النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما عليه النصارى من الرهبانية المبتدعة، وإن كان كثير من عبادنا، قد وقعوا في بعض ذلك متأولين معذورين، أو غير متأولين .
وفيه أيضا تنبيه على أن التشديد على النفس ابتداء، يكون سببا لتشديد آخر، يفعله الله: إما بالشرع وإما بالقدر.
فأما بالشرع: فمثل ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخافه في زمانه من زيادة إيجاب أو تحريم، كنحو ما خافه لما اجتمعوا لصلاة التراويح معه ولما كانوا يسألون عن أشياء لم تحرم، ومثل: أن من نذر شيئا من الطاعات وجب عليه فعله، وهو منهي عن نفس عقد النذر، وكذلك الكفارات الواجبة بأسباب.
وأما بالقدر: فكثير قد رأينا وسمعنا من كان يتنطع في أشياء، فيبتلى أيضا بأسباب تشدد الأمور عليه، في الإيجاب والتحريم، مثل كثير من الموسوسين في الطهارة إذا زادوا على المشروع، ابتلوا بأسباب توجب حقيقة عليهم أشياء مشقة ومضرة."

الأحد، 1 نوفمبر 2015

«لن يدخل الجنة أحد بعمله» وضرورة العبد إلى توبة الله عليه ورحمته ومغفرته

فقرة ٣٣٥ من [قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة]
«وقوله صلى الله عليه وسلم: "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله" لا يناقض قوله تعالى : {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ؛ فإن المنفي نُفي بباء المقابلة والمعاوضة كما يقال: بعت هذا بهذا. وما أثبت أثبت بباء السبب، فالعمل لا يقابل الجزاء وإن كان سبباً للجزاء، ولهذا من ظن أنه قام بما يجب عليه، وأنه لا يحتاج إلى مغفرة الرب تعالى وعفوه فهو ضال. كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمةٍ منه وفضل"وروي "بمغفرته". ومن هذا أيضاً الحديث الذي في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله لو عذَّب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيراً من أعمالهم" الحديث.»
وقال أيضا :-