الاثنين، 30 مايو 2016

كراهة طلب الدعاء من الآخرين

فقرة 174 ومابعدها من[قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة]-بتهذيب غير مُخِلّ-

«...وأما سؤال المخلوق المخلوق أن يقضي حاجة نفسه أو يدعو له فلم يؤمر به، وقد نزه الله رسوله عن ذلك كله، وحيث أمر الأمة بالدعاء له فذاك من باب أمرهم بما ينتفعون به كما يأمرهم بسائر الواجبات والمستحبات، فالنبي صلى الله عليه وسلم - فيما يطلبه من أمته من الدعاء - طلبُه طلبُ أمر وترغيب ليس بطلب سؤال، فمن ذلك أمره لنا بالصلاة والسلام عليه، فهذا قد أمر الله به في القرآن بقوله تعالى : {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، وقد رغَّب المسلمين في أن يسألوا الله له الوسيلة، وبيَّن أن من سألها له حلت له شفاعته يوم القيامة، كما أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرا، فإن الجزاء من جنس العمل، ومن هذا الباب الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه، وابن ماجه أن عمر بن الخطاب استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة فأذن له ثم قال: "ولا تنسنا يا أخي من دعائك"،  فطلبُ النبي صلى الله عليه وسلم من عمر أن يدعو له كطلبه أن يصلي ويسلم عليه وأن يسأل الله له الوسيلة وهو كطلبه أن يعمل سائر الصالحات، فمقصوده نفع المطلوب منه والإحسان إليه، وهو صلى الله عليه وسلم أيضاً ينتفع بتعليمهم الخير وأمرهم به، وينتفع أيضاً بالخير الذي يفعلونه من الأعمال الصالحة ومن دعائهم له. ومن هذا الباب قول القائل: إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: "ما شئت" قال: الربع؟ قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير لك" قال: النصف؟ قال: "ما شئت وإن زدت فهو خير لك" قال: الثلثين؟ قال: "ما شئت، وإذا زدت فهو خير لك" قال: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: "إذًا تُكفى همك ويُغفر لك ذنبك" رواه أحمد في مسنده والترمذي وغيرهما. فإن هذا كان له دعاء يدعو به، فإذا جعل مكان دعائه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كفاه الله ما أهمه من أمر دنياه وآخرته، فإنه كلما صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرا، وهو لو دعا لآحاد المؤمنين لقالت الملائكة: "آمين، ولك بمثلٍ" فدعاؤه للنبي صلى الله عليه وسلم أولى بذلك.
 ومن قال لغيره من الناس: ادعُ لي - أو لنا - وقصده أن ينتفع ذلك المأمور بالدعاء وينتفع هو أيضاً بأمره وبفعل ذلك المأمور به كما يأمره بسائر فعل الخير فهو مقتد بالنبي صلى الله عليه وسلم مؤتم به، ليس هذا من السؤال المرجوح.
وأما إن لم يكن مقصوده إلا طلب حاجته لم يقصد نفع أخيه والإحسان إليه، فهذا ليس من المقتدين بالرسول المؤتمين به في ذلك، بل هذا هو من السؤال المرجوح الذي تَرْكُه إلى الرغبة إلى الله وسؤاله أفضل من الرغبة إلى المخلوق وسؤاله.
ولهذا لم يعرف قط أن الصدّيق ونحوه من أكابر الصحابة سألوا النبيّ-صلّى الله عليه وسلّم-شيئاً من ذلك، ولا سألوه أن يدعو لهم وإن كانوا قد يطلبون منه أن يدعو للمسلمين، كما أشار عليه عمر في بعض مغازيه لما استأذنوه في نحر بعض ظهرهم فقال عمر: يا رسول الله! كيف بنا إذا لقينا العدو غدًا رجالاً جياعاً! ولكن إن رأيت أن تدعو الناس ببقايا أزوادهم فتجمعها ثم تدعو الله بالبركة فإن الله يبارك لنا في دعوتك. وفي رواية: فإن الله سيغيثنا بدعائك.
وإنما كان سأله ذلك بعض المسلمين كما سأله الأعمى أن يدعو الله له ليرد عليه بصره، وكما سألته أم سُلَيم أن يدعو الله لخادمه أنس، وكما سأله أبو هريرة أن يدعو الله أن يحببه وأمه إلى عباده المؤمنين، ونحو ذلك.
وكان الصدّيق من كماله أنه لا يعمل ما يعمله إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى لا يطلب جزاء من أحد من الخلق لا الملائكة ولا الأنبياء ولا غيرهم، فهو أفضل صدّيق لأفضل نبيّ. ومن الجزاء أن يطلب الدعاء، قال تعالى عمن أثنى عليهم: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا}، والدعاء جزاء كما في الحديث: "من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه". وكانت عائشة إذا أرسلت إلى قوم بصدقة تقول للرسول: اسمع ما يدعون به لنا حتى ندعو لهم بمثل ما دعوا لنا ويبقى أجرنا على الله. وقال بعض السلف: إذا قال لك السائل: بارك الله فيك، فقل: وفيك بارك الله.
فمن عمل خيراً مع المخلوقين سواء كان المخلوق نبياً أو رجلاً صالحاً أو ملِكاً من الملوك أو غنياً من الأغنياء فهذا العامل للخير مأمور بأن يفعل ذلك خالصاً لله يبتغي به وجه الله لا يطلب به من المخلوق جزاء ولا دعاء ولا غيره، فإن الله أمر العباد كلهم أن يعبدوه مخلصين له الدين، فكل ما يفعله المسلم من القُرَب الواجبة والمستحبة والإحسان إلى عباد الله بالنفع والمال هو مأمورٌ بأن يفعله خالصاً لله رب العالمين لا يطلب من مخلوق عليه جزاء؛ لا دعاء ولا غير دعاء، فهذا مما لا يسوغ أن يطلب عليه جزاء؛ لا دعاء ولا غيره.»

الخميس، 12 مايو 2016

(في فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) درس قويّ وصراحة لاذعة !

من اقتضاء الصراط المستقيم 124/2 قال-رحمه الله- في أثناء حديثه عن البدع العملية غير المغلّظة التي لا تبلغ حدَّ الشرك والكفر:-
«واعلم أن من الأعمال ما يكون فيه خير، لاشتماله على أنواع من المشروع، وفيه أيضًا شرٌّ من بدعة وغيرها، فيكون ذلك العمل خيرًا بالنسبة إلى الإعراض عن الدين بالكلية كحال المنافقين والفاسقين وهذا قد ابــتُلـِـي به أكثرُ الأمة في الأزمان المتأخرة، فعليك هنا بأدبين:
أحدهما: أن يكون حرصك على التمسك بالسنة باطنًا وظاهرًا في خاصتك وخاصة من يطيعك،واعرف المعروف وأنكر المنكر.
الثاني: أن تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكان فإذا رأيت من يعمل هذا ولا يتركه إلا إلى شرٍّ منه فلا تدعو إلى ترك منكر بفعل ما هو أنكر منه، أو بترك واجب أو مندوبٍ تركُه أضر من فعل ذلك المكروه، ولكن إذا كان في البدعة من الخير فعوض عنه من الخير المشروع بحسب الإمكان، إذ النفوس لا تترك شيئًا إلا بشيء، ولا ينبغي لأحد أن يترك خيرًا إلا إلى مثله أو إلى خير منه، فإنه كما أن الفاعلين لهذه البدع معيبون قد أتوا مكروهًا فالتاركون أيضًا للسنن مذمومون، فإن منها ما يكره المداومة على تركه كراهة شديدة، ومنها ما يكره تركه أو يجب فعله على الأئمة دون غيرهم، وعامّتها يجب تعليمها والحض عليها والدعاء إليها.
وكثير من المنكرين لبدع العبادات والعادات تجدهم مقصرين في فعل السنن من ذلك، أو الأمر به. ولعل حال كثير منهم يكون أسوأ من حال من يأتي بتلك العبادات المشتملة على نوع من الكراهة. بل الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا قوام لأحدهما إلا بصاحبه، فلا ينهى عن منكر إلا ويؤمر بمعروف يغني عنه كما يؤمر بعبادة الله سبحانه، وينهى عن عبادة ما سواه، إذ رأس الأمر شهادة أن لا إله إلا الله، والنفوس خلقت لتعمل، لا لتترك، وإنما الترك مقصود لغيره، فإن لم يشتغل بعمل صالح، وإلا لم يترك العلم السيئ، أو الناقص، لكن لما كان من الأعمال السيئة ما يفسد عليها العمل الصالح، نهيت عنه حفظًا للعمل الصالح.
فتعظيم المولد، واتخاذه موسمًا، قد يفعله بعض الناس، ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده، وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قدمته لك أنه يحسن من بعض الناس، ما يستقبح من المؤمن المسدد. ولهذا قيل للإمام أحمد عن بعض الأمراء: إنه أنفق على مصحف ألف دينار، أو نحو ذلك فقال: دعهم، فهذا أفضل ما أنفقوا فيه الذهب، أو كما قال. مع أن مذهبه أن زخرفة المصاحف مكروهة. وقد تأول بعض الأصحاب أنه أنفقها في تجويد الورق والخط. وليس مقصود أحمد هذا، إنما قصده أن هذا العمل فيه مصلحة، وفيه أيضًا مفسدة كره لأجلها. فهؤلاء إن لم يفعلوا هذا، وإلا اعتاضوا بفساد لا صلاح فيه، مثل أن ينفقها في كتاب من كتب الفجور: من كتب الأسمار أو الأشعار، أو حكمة فارس والروم.

فتفطن لحقيقة الدين، وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية، والمفاسد، بحيث تعرف ما مراتب المعروف، ومراتب المنكر، حتى تقدم أهمها عند الازدحام، فإن هذا حقيقة العلم بما جاءت به الرسل، فإن التمييز بين جنس المعروف، وجنس المنكر، أو جنس الدليل، وغير الدليل، يتيسر كثيرًا.

فأما مراتب المعروف والمنكر، ومراتب الدليل، بحيث يقدم عند التزاحم أعرف المعروفين وينكر أنكر المنكرين، ويرجح أقوى الدليلين، فإنه هو خاصة العلماء بهذا الدين.

فالمراتب ثلاث:
أُولاها: العمل الصالح المشروع الذي لا كراهة فيه.

والثانية: العمل الصالح من بعض وجوهه أو أكثرها إما لحسن القصد، أو لاشتماله مع ذلك على أنواع من المشروع.

والثالثة: ما ليس فيه صلاح أصلًا إما لكونه تركا للعمل الصالح مطلقًا، أو لكونه عملًا فاسدًا محضًا.

فأما الأولى: فهو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، باطنها وظاهرها، قولها وعملها، في الأمور العلمية والعملية مطلقًا، فهذا هو الذي يجب تعلمه وتعليمه، والأمر به وفعله على حسب مقتضى الشريعة، من إيجاب واستحباب، والغالب على هذا الضرب: هو أعمال السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان.

وأما المرتبة الثانية: فهي كثيرة جدًا في طرق المتأخرين من المنتسبين إلى علم أو عبادة، ومن العامة أيضًا، وهؤلاء خير ممن لا يعمل عملًا صالحًا مشروعًا، ولا غير مشروع، أو من يكون عمله من جنس المحرم: كالكفر والكذب والخيانة، والجهل. ويندرج في هذا أنواع كثيرة.
فمن تعبد ببعض هذه العبادات المشتملة على نوع من الكراهة: كالوصال في الصيام، وترك جنس الشهوات ونحو ذلك، أو قصد إحياء ليال لا خصوص لها: كأول ليلة من رجب، ونحو ذلك، قد يكون حاله خيرًا من حال البطال الذي ليس فيه حرص على عبادة الله وطاعته. بل كثير من هؤلاء الذين ينكرون هذه الأشياء، زاهدون في جنس عبادة الله: من العلم النافع، والعمل الصالح، أو في أحدهما -لا يحبونها ولا يرغبون فيها، لكن لا يمكنهم ذلك في المشروع، فيصرفون قوتهم إلى هذه الأشياء، فهم بأحوالهم منكرون للمشروع وغير المشروع، وبأقوالهم لا يمكنهم إلا إنكار غير المشروع.

ومع هذا: فالمؤمن يعرف المعروف وينكر المنكر، ولا يمنعه من ذلك موافقة بعض المنافقين له، ظاهرًا في الأمر بذلك المعروف، والنهي عن ذلك المنكر، ولا مخالفة بعض علماء المؤمنين. فهذه الأمور وأمثالها مما ينبغي معرفتها، والعمل بها.»

وقال في [جامع المسائل] :-

الجمعة، 6 مايو 2016

إنصاف جميل وتوضيح جزيل لما عند المبتدعة من تلبيس وتضليل !

#تنبيه# وصفَ الشيخُ البدعَ أثناء كلامه بأنها مكروهة والمقصود به المعنى اللغوي لا الاصطلاحي أي أنها بغيضة كريهة إلى الله سبحانه فلم يشرعها لنا، كما قال تعالى:﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾.

 من اقتضاء الصراط المستقيم 111/2  [بتصرّف غير مُخِلّ] 

(...وذلك: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تخصيص أوقاتٍ بصلاة أو بصيام، وأباح ذلك إذا لم يكن على وجه التخصيص، فروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم» ومثل هذا ما أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم» أي:يصوم عادته. فوجه الدلالة: أن الشارع قسم الأيام باعتبار الصوم ثلاثة أقسام:-
* قسم شرع تخصيصه بالصيام: إما إيجابًا كرمضان، وإما استحبابًا كيوم عرفة وعاشوراء.
* وقسم نهى عن صومه مطلقًا: كيوم العيدين.
* وقسم إنما نهي عن تخصيصه: كيوم الجمعة وسرر شعبان، فهذا النوع إذا خُصص بالفعل نُهي عن ذلك، سواء قصد الصائم التخصيص أو لم يقصده، وسواء اعتقد الرجحان أو لم يعتقده.
ومعلوم أن مفسدة هذا العمل لولا أنها موجودة في التخصيص دون غيره لكان إما أن ينهى عنه مطلقًا كيوم العيد، أو لا ينهى عنه كيوم عرفة وعاشوراء وتلك المفسدة ليست موجودة في سائر الأوقات وإلا لم يكن للتخصيص بالنهي فائدة، فظهر أن المفسدة تنشأ من تخصيص ما لا خصيصة له كما أشعر به لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن نفس الفعل المنهي عنه أو المأمور به قد يشتمل على حكمة الأمر أو النهي كما في قوله: «خالفوا المشركين».
فلفظ النهي عن الاختصاص لوقت بصوم أو صلاة يقتضي أن الفساد ناشئ من جهة الاختصاص، فإذا كان يوم الجمعة يومًا فاضلًا يستحب فيه من الصلاة والدعاء والذكر والقراءة والطهارة والطيب والزينة ما لا يستحب في غيره كان ذلك في مظنة أن يُتوهم أن صومه أفضل من غيره ويُعتقد أن قيام ليلته كالصيام في نهاره لها فضيلة على قيام غيرها من الليالي، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التخصيص دفعًا لهذه المفسدة التي لا تنشأ إلا من التخصيص. وكذلك تلقي رمضان، قد يتوهم أن فيه فضلًا، لما فيه من الاحتياط للصوم، ولا فضل فيه في الشرع، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تلقيه لذلك.

وهذا المعنى موجود في مسألتنا، فإن الناس قد يخصون هذه المواسم لاعتقادهم فيها فضيلة، ومتى كان تخصيص الوقت بصوم أو بصلاة قد يقترن باعتقاد فضل ذلك ولا فضل فيه نُهي عن التخصيص إذ لا ينبعث التخصيص إلا عن اعتقاد الاختصاص، ثم هذا الاعتقاد يتبعه أحوال في القلب: من التعظيم، والإجلال، وتلك الأحوال أيضًا باطلة ليست من دين الله، فعلمت أن فعل هذه البدع يناقض الاعتقادات الواجبة وينازع الرسل ما جاءوا به عن الله، فكما أن إثبات الفضيلة الشرعية مقصود، فرفع الفضيلة غير الشرعية مقصود أيضًا.

فإن قيل: هذا يعارضه أن هذه المواسم -مثلًا- فعلها قوم من أولي العلم والفضل الصديقين فمن دونهم، وفيها فوائد يجدها المؤمن في قلبه وغير قلبه: من طهارة قلبه ورقته، وزوال آصار الذنوب عنه، وإجابة دعائه ونحو ذلك، مع ما ينضم إلى ذلك من العمومات الدالة على فضل الصلاة والصيام، كقوله تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى - عَبْدًا إِذَا صَلَّى} وقوله صلى الله عليه وسلم: «الصلاة نور» ونحو ذلك.
قلنا: لا ريب أن من فعلها متأولًا مجتهدًا أو مقلدًا كان له أجر على حسن قصده، وعلى عمله، من حيث ما فيه من المشروع، وكان ما فيه من المبتدع مغفورًا له إذا كان في اجتهاده أو تقليده من المعذورين، وكذلك ما ذكر فيها من الفوائد كلها إنما حصلت لما اشتملت عليه من المشروع في جنسه: كالصوم والذكر، والقراءة، والركوع، والسجود، وحسن القصد في عبادة الله وطاعته ودعائه. وما اشتملت عليه من المكروه انتفى موجَبه بعفو الله عنه لاجتهاد صاحبها أو تقليده، وهذا المعنى ثابت في كل ما يذكر في بعض البدع المكروهة من الفائدة، لكن هذا القدر لا يمنع كراهتها والنهي عنها والاعتياض عنها بالمشروع الذي لا بدعة فيه، لأن جميع المبتدعات لا بد أن تشتمل على شر راجح على ما فيها من الخير إذ لو كان خيرها راجحًا لما أهملتها الشريعة، فنحن نستدل بكونها بدعة على أن إثمها أكبر من نفعها، وذلك هو الموجب للنهي.
وأقول: إن إثمها قد يزول عن بعض الأشخاص لمعارض؛ لاجتهاد أو غيره، كما يزول إثم النبيذ والربا المختلف فيهما عن المجتهدين من السلف، ثم مع ذلك يجب بيان حالها وأن لا يقتدى بمن استحلها وأن لا يقصر في طلب العلم المبين لحقيقتها. وهذا الدليل كاف في بيان أن هذه البدع مشتملة على مفاسد اعتقادية أو حالية مناقضة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.

وأما ما فيها من المنفعة فيعارضه ما فيها من مفاسد البدع الراجحة:
منها-مع ما تقدم من المفسدة الاعتقادية والحالية- : أن القلوب تستعذبها وتستغني بها عن كثير من السنن، حتى تجد كثيرًا من العامة يحافظ عليها ما لا يحافظ على التراويح والصلوات الخمس.
ومنها: أن الخاصة والعامة تنقص -بسببها- عنايتهم بالفرائض والسنن ورغبتهم فيها، فتجد الرجل يجتهد فيها ويخلص وينيب ويفعل فيها ما لا يفعله في الفرائض والسنن حتى كأنه يفعل هذه عبادة، ويفعل الفرائض والسنن عادة ووظيفة، وهذا عكس الدين، فيفوته بذلك ما في الفرائض والسنن من المغفرة والرحمة والرقة والطهارة والخشوع، وإجابة الدعوة، وحلاوة المناجاة، إلى غير ذلك من الفوائد، وإن لم يفته هذا كله فلا بد أن يفوته كماله.
ومنها: ما في ذلك من مصير المعروف منكرًا والمنكر معروفًا وجهالة أكثر الناس بدين المرسلين، وانتشاء زرع الجاهلية.
ومنها: مسارقة الطبع إلى الانحلال من ربقة الاتباع وفوات سلوك الصراط المستقيم، وذلك أن النفس فيها نوع من الكبر، فتحب أن تخرج من العبودية والاتباع بحسب الإمكان، كما قال أبو عثمان النيسابوري -رحمه الله-: ‹ما ترك أحد شيئًا من السنة إلا لكبر في نفسه› ثم هذا مظنة لغيره فينسلخ القلب عن حقيقة اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، ويصير فيه من الكبر وضعف الإيمان ما يفسد عليه دينه أو يكاد وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. إلى غير ذلك من المفاسد التي لا يدركها إلا من استنارت بصيرته، وسلمت سريرته.)

وقال أيضا:-