قال في [شرح حديث النزول] صفحـ٢٥١ـة وما بعدها:-
«..ولهذا كره السلف والأئمة ـ كالإمام أحمد وغيره ـ أن ترد البدعة بالبدعة، فكان أحمد في مناظرته للجهمية لما ناظروه على أن القرآن مخلوق، وألزمه أبو عيسى محمد بن عيسى برغوث أنه إذا كان غير مخلوق لزم أن يكون الله جسما وهذا منتف، فلم يوافقه أحمد، لا على نفي ذلك، ولا على إثباته؛ بل قال: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ١ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ ٢ لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ ٣ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدٌۢ٤
ونبه أحمد على أن هذا اللفظ لا يدري ما يريدون به. وإذا لم يعرف مراد المتكلم به لم يوافقه لا على إثباته ولا على نفيه. فإنْ ذكَر معنىً أثبته الله ورسوله أثبتناه، وإن ذكر معنى نفاه الله ورسوله نفيناه باللسان العربي المبين، ولم نحتج إلى ألفاظ مبتدعة في الشرع، محرفة في اللغة، ومعانيها متناقضة في العقل، فيفسد الشرع واللغة والعقل؛ كما فعل أهل البدع من أهل الكلام الباطل المخالف للكتاب والسنة.
وكذلك ـ أيضا ـ لفظ [الجبر] كره السلف أن يقال: جبر، وأن يقال: ما جبر؛ فروى الخلال في كتاب [السنة] عن أبي إسحاق الفزاري ـ الإمام ـ قال: قال الأوزاعي: أتاني رجلان، فسألاني عن القدر، فأحببت أن آتيك بهما تسمع كلامهما وتجيبهما. قلت: رحمك الله، أنت أولى بالجواب. قال: فأتاني الأوزاعي ومعه الرجلان، فقال: تكلما، فقالا: قدم علينا ناس من أهل القدر فنازعونا في القدر، ونازعناهم حتى بلغ بنا وبهم الجواب إلى أن قلنا: "إن الله قد جبرنا على ما نهانا عنه وحال بيننا وبين ما أمرنا به ورزقنا ما حرم علينا"، فقال: أجبهما يا أبا إسحاق، قلت: رحمك الله، أنت أولى بالجواب، فقال: أجبهما، فكرهت أن أخالفه، فقلت: "يا هؤلاء، إن الذين أتوكم بما أتوكم به قد ابتدعوا بدعة وأحدثوا حدثا، وإني أراكم قد خرجتم من البدعة إلى مثل ما خرجوا إليه"، فقال: أجبت وأحسنت يا أبا إسحاق.
وروي ـ أيضا ـ عن بقية بن الوليد قال: سألت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر، فقال الزبيدي: "أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، ولكن يقضي ويقدر، ويخلق ويجبل عبده على ما أحب."، وقال الأوزاعي: "ما أعرف للجبر أصلا من القرآن والسنة، فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل، فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما وصفت هذا مخافة أن يرتاب رجل من أهل الجماعة والتصديق".
وروي عن أبي بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد الله: تقول: إن الله أجبر العباد؟ فقال: هكذا لا تقول، وأنكر هذا. وقال: يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء.
وقال المروذى: كتب إلى عبد الوهاب في أمر حسين بن خلف العكبري وقال: إنه تنزه عن ميراث أبيه، فقال رجل قدري: إن الله لم يجبر العباد على المعاصي؛ فرد عليه أحمد بن رجاء فقال: إن الله جبر العباد -أراد بذلك إثبات القدرـ فوضع أحمد بن على كتابا يحتج فيه، فأدخلته على أبي عبد الله وأخبرته بالقصة قال: ويضع كتابا؟ ! وأنكر عليهما جميعا: على بن رجاء حين قال: جبر العباد، وعلى القدري الذي قال: لم يجبر، وأنكر على أحمد بن على وضعه الكتاب واحتجاجه، وأمر بهجرانه لوضعه الكتاب، وقال لي: يجب على ابن رجاء أن يستغفر ربه لما قال: جبر العباد. فقلت لأبي عبد الله: فما الجواب في هذه المسألة؟ فقال: يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء.
قال الخلال: وأخبرنا المروذي في هذه المسألة: أنه سمع أبا عبد الله لما أنكر على الذي قال: "لم يجبر"، وعلى من رد عليه "جبر"، فقال أبو عبد الله: كلما ابتدع رجل بدعة اتسعوا في جوابها ؟! وقال: يستغفر ربه الذي رد عليهم بمحدثة، وأنكر على من رد شيئا من جنس الكلام إذا لم يكن له فيه إمام تقدم.
قال المروذي: فما كان بأسرع من أن قدم أحمد بن علي من عكبرا ومعه نسخة وكتاب من أهل عكبرا، فأدخلت أحمد بن علي علىٰ أبي عبد الله، فقال: يا أبا عبد الله، هذا الكتاب ادفعه إلى أبي بكر حتى يقطعه، وأنا أقوم على منبر عكبرا وأستغفر الله، فقال أبو عبد الله لي: ينبغي أن تقبلوا منه وارجعوا إليه.
قال المروذي: سمعت بعض المشيخة يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: أنكر سفيان الثوري «جبر»، وقال: «الله -تعالى- جبل العباد». قال المروذي: أظنه أراد قول النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس.
قلت: هذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع، وإنما المقصود التنبيه على أن السلف كانوا يراعون لفظ القرآن والحديث فيما يثبتونه وينفونه عن الله من صفاته وأفعاله، فلا يأتون بلفظ محدث مبتدع في النفي والإثبات، بل كل معنى صحيح فإنه داخل فيما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم. والألفاظ المبتدعة ليس لها ضابط، بل كل قوم يريدون بها معنى غير المعنى الذي أراده أولئك؛ كلفظ الجسم، والجهة، والحيز، والجبر ونحو ذلك، بخلاف ألفاظ الرسول فإن مراده بها يعلم كما يعلم مراده بسائر ألفاظه...
والأقوال المبتدعة تضمنت تكذيب كثير مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك يعرفه من عرف مراد الرسول صلى الله عليه وسلم ومراد أصحاب تلك الأقوال المبتدعة. ولما انتشر الكلام المحدث، ودخل فيه ما يناقض الكتاب والسنة، وصاروا يعارضون به الكتاب والسنة، صار بيان مرادهم بتلك الألفاظ وما احتجوا به لذلك من لغة وعقل يبين للمؤمن ما يمنعه أن يقع في البدعة والضلال، أو يخلص منها -إن كان قد وقع- ويدفع عن نفسه في الباطن والظاهر ما يعارض إيمانه بالرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك. وهذا مبسوط في موضعه.
والمقصود هنا أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لا يُدفع بالألفاظ المجملة كلفظ التجسيم وغيره مما قد يتضمن معنى باطلا، والنافي له ينفي الحق والباطل. فإذا ذكرت المعاني الباطلة نفّرت القلوب. وإذا ألزموه ما يلزمونه من التجسيم الذي يدّعونه نفَر. وإذا قالوا له: هذا يستلزم التجسيم؛ لأن هذا لا يعقل إلا في جسم لم يحسن نقض ما قالوه ولم يحسن حله. وكلهم متناقضون.
وحقيقة كلامهم أن ما وصف به الرب نفسه، لا يعقل منه إلا ما يعقل في قليل من المخلوقات التي نشهدها كأبدان بني آدم. وهذا في غاية الجهل؛ فإن من المخلوقات مخلوقات لم نشهدها كالملائكة والجن حتى أرواحنا. ولا يلزم أن يكون ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم مماثلا لها، فكيف يكون مماثلا لما شاهدوه؟ ! ...
وأما الشرع، فمعلوم أنه لم ينقل عن أحد من الأنبياء ولا الصحابة، ولا التابعين، ولا سلف الأمة أن الله جسم، أو أن الله ليس بجسم، بل النفي والإثبات بدعة في الشرع.»
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق